ابن قتيبة الدينوري

58

تأويل مشكل القرآن

باب المتشابه وأما قولهم : ما ذا أراد بإنزال المتشابه في القرآن ، من أراد بالقرآن لعباده الهدى والتّبيان ؟ . - فالجواب عنه : أن القرآن نزل بألفاظ العرب ومعانيها ، ومذاهبها في الإيجاز والاختصار ، والإطالة والتوكيد ، والإشارة إلى الشيء ، وإغماض بعض المعاني حتى لا يظهر عليه إلا اللّقن « 1 » ، وإظهار بعضها ، وضرب الأمثال لما خفي . ولو كان القرآن كله ظاهرا مكشوفا حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل ، لبطل التفاضل بين الناس ، وسقطت المحنة ، وماتت الخواطر . ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة ، ومع الكفاية يقع العجز والبلادة . وقالوا : عيب الغنى أنه يورث البله ، وفضيلة الفقر أنه يبعث الحيلة . وقال : أكثم بن صيفيّ : ما يسرّني أني مكفيّ كلّ أمر الدنيا . قيل له : ولم ؟ قال : أكره عادة العجز . وكل باب من أبواب العلم : من الفقه والحساب والفرائض والنحو ، فمنه ما يجلّ ، ومنه ما يدقّ ، ليرتقي المتعلم فيه رتبة بعد رتبة ، حتى يبلغ منتهاه ، ويدرك أقصاه ؛ ولتكون للعالم فضيلة النظر ، وحسن الاستخراج ، ولتقع المثوبة من اللّه على حسن العناية . ولو كان كل فن من العلوم شيئا واحدا : لم يكن عالم ولا متعلم ، ولا خفيّ ولا جليّ ؛ لأن فضائل الأشياء تعرف بأضدادها ، فالخير يعرف بالشر ، والنفع بالضرّ ، والحلو بالمر ، والقليل بالكثير ، والصغير بالكبير ، والباطن بالظاهر . وعلى هذا المثال كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكلام صحابته والتابعين ، وأشعار الشعراء ، وكلام الخطباء - ليس منه شيء إلا وقد يأتي فيه المعنى اللطيف الذي يتخيّر فيه

--> ( 1 ) اللّقن : السريع الفهم .